ملا محمد مهدي النراقي
115
جامع السعادات
القدر من أعين الناس ، ونظر الخلق إليه بعين الازدراء ، وإلى المعطي كونه منعما محسنا إليه ، أو خوف ألا يعطيه الناس بعد ذلك لعلمهم بما أخذه ، فلينتقل عن الإسرار ويأخذها علانية ، إذ لو أبقى نفسه على ما استكن فيها من الداء الدفين ، وعمل بمقتضاها ، صار هالكا - وإن كان طبعه مائلا إلى الإسرار ، وأيقن بأن باعث الميل إليه : إبقاء التعفف ، وستر المروة ، وصيانة الناس عن الحسد ، وسوء الظن والغيبة ، ولم يكن باعثه شئ من المفاسد المذكورة ، فالأولى أن يأخذها سرا . ويعرف ذلك بأن يكون تألمه بانكشاف أخذه للصدقة كتألمه بانكشاف صدقة أخذها بعض أقرانه وأخوانه المؤمنين ، فإنه إن كان طالبا لبقاء السر وإعانة المعطي على الأسرار ، وصيانة العلم عن الابتذال ، وحفظ الناس عن الحسد والغيبة وسوء الظن ، فينبغي أن يكون طالبا لها في صدقة أخيه أيضا ، إذ يحصل ما يحذر منه : من هتك الستر ، وابتذال العلم ، ووقوع الناس في الغيبة والحسد بانكشاف صدقة أخيه أيضا . فإن كان انكشاف صدقته أثقل عليه من انكشاف صدقة غيره ، فتقديره الحذر من هذه المعاني تلبيس من النفس ومكر من الشيطان . وإذا كان طبعه مائلا إلى الإظهار ، ووجد منه أن باعث هذا الميل هو التطيب لقلب المعطي ، والاستحثاث له على مثله ، والإظهار للغير بأنه من المبالغين في الشكر ، حتى يرغبوا في الإحسان إليه ، فليتنبه أن هذا الداء من الداء الدفين الذي يهلكه لو لم يعالجه ، فليترك أخذها جهرا والتحدث بها ، وينتقل إلى الأخذ خفية . وإن تيقن من نفسه بأن الباعث هو إقامة السنة في الشكر ، والتحدث بالنعمة ، وإسقاط الجاه والمنزلة ، وإظهار العبودية والمسكنة ، أو غير ذلك من المقاصد الصحيحة ، من دون تطرق شئ من المفاسد المذكورة ، فالإظهار أفضل ، ويعرف ذلك بأن تميل نفسه إلى الشكر ، حيث لا ينتهي الخبر إلى المعطي ولا إلى من يرغب في عطائه ، وبين يدي جماعة يعلم أنهم يكرهون إظهار العطية ، ويرغبون في إخفائها ، وعادتهم ألا يعطوها إلا من يخفيها ولا يتحدث بها ولا يشكر عليها . ثم إذا جزم يكون الباعث إقامة السنة في الشكر ، فينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطي ، فينظر أنه إن كان ممن يحب الشكر والنشر فيخفي الأخذ ولا يشكر ، لأن قضاء حقه ألا